فخر الدين الرازي

445

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما قوله تعالى : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرئ يذقه بالياء وفيه ضمير اللَّه تعالى أو ضمير ( الظلم ) « 1 » . المسألة الثانية : أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في القطع بوعيد أهل الكبائر ، فقالوا ثبت أن ( من ) للعموم في معرض الشرط ، وثبت أن الكافر ظالم لقوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] والفاسق ظالم لقوله : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ الحجرات : 11 ] فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه ، بل يعذب لا محالة والجواب : أنا لا نسلم أن كلمة ( من ) في معرض الشرط للعموم ، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه ، سلمنا أنه للعموم ولكن قطعا أم ظاهرا ؟ ودعوى القطع ممنوعة ، فإنا نرى في العرف العام المشهور استعمال صيغ العموم ، مع أن المراد هو الأكثر ، أو لأن المراد أقوام معينون ، والدليل عليه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 6 ] ثم إن كثيرا من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع له إلا أن يقال قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا وإن كان يفيد العموم ، لكن المراد منه الغالب أو المراد منه أقوام مخصوصون ، وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر ، وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة ، وذلك لا ينفي تجويز العفو . سلمنا دلالته قطعا ، ولكنا أجمعنا على أن قوله : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ مشروط بأن لا يوجد ما يزيله ، وعند هذا نقول هذا مسلم ، لكن لم قلت بأن لم يوجد ما يزيله ؟ فإن العفو عندنا أحد الأمور التي تزيله ، وذلك هو أحد الثلاثة أول المسألة سلمنا / دلالته على ما قال ، ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [ الكهف : 107 ] فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل التنكيل ومن لم يكن مستحقا للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل ، فإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال . قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل ، ألا ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة ، نزلنا عن هذه المقامات ، ولكن قوله تعالى : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ إنه خطاب مع قوم مخصوصين معينين فهب أنه لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم ؟ أما قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : هذا جواب عن قولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] بين اللَّه تعالى أن هذه عادة مستمرة من اللَّه في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن . المسألة الثانية : حق الكلام أن يقال : ألا أنهم بفتح الألف لأنه متوسط والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء ، فلأجل هذا ذكروا وجوها : أحدها : قال الزجاج : الجملة بعد ( إلا ) صفة لموصوف محذوف ، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف لأن في قوله : مِنَ الْمُرْسَلِينَ دليلا عليه ، ونظيره قوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] على معنى وما منا أحد وثانيها : قال الفراء إنه صلة لاسم متروك اكتفى بقوله : مِنَ الْمُرْسَلِينَ عنه ، والمعنى إلا من أنهم كقوله : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ أي من له مقام معلوم ، وكذلك قوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] أي إلا من يردها فعلى قول

--> ( 1 ) في الكشاف ( مصدر يظلم ) 3 / 87 .